خبر الأحنف بن قيس في أمر عليٍّ أمَّ المؤمنين عائشةَ عليها السلام بالرجوع إلى المدينة بعد الجمل — دراسة في طرقه وتحريرُ القول في تفرُّد جحش بن زياد الضبي
هذا أثرٌ من آثار ما بعد وقعة الجمل (سنة 36هـ)، يرويه الأحنفُ بن قيس التميمي سيدُ أهل البصرة — وكان حاضرًا أحداثَها معتزلًا للقتال — في إلحاح عليٍّ على أم المؤمنين عائشة عليهاالسلام بالرجوع إلى المدينة، حتى بلغ به الحزمُ أن توعّدها بإرسال نسوةٍ من بكر بن وائل إن لم ترجع. ومدارُ الخبر على جحش بن زياد الضبي الكوفي، وقد أُعِلَّ بجهالته وبتفرده. وهذه الدراسة تجمع طرقَ الخبر وشواهدَ معناه من مرويات المدرستين جميعًا، ثم تحرِّر القولَ في العلتين تحريرًا مفصَّلًا، وتجيب عن استنكار التفرد بما تقتضيه طبيعةُ الواقعة نفسِها: فإنها رسالةٌ خاصة بين إمامٍ وأمِّ المؤمنين في ذروة فتنةٍ شدَّد السلفُ في نقل أخبارها — ومثلُ هذا لا تتوافر الدواعي على إشاعته حتى يُستنكر قلةُ نَقَلته.
أولًا: المتون كاملة بنصوصها الأصلية
1. لفظ مصنف ابن أبي شيبة (40634 — 21/512)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ جَحْشِ بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: «لَمَّا ظَهَرَ عَلِيٌّ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ: ارْجِعِي إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِلَى بَيْتِكِ، قَالَ: فَأَبَتْ، قَالَ: فَأَعَادَ إِلَيْهَا الرَّسُولَ: وَاللهِ لَتَرْجِعِنَّ أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ نِسْوَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مَعَهُنَّ شِفَارٌ حِدَادٌ يَأْخُذْنَكِ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ خَرَجَتْ».
2. لفظ كتاب «وقعة الجمل» فيما تناقلته مصادر المدرسة الإمامية (متابعةٌ ليحيى بن آدم)
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُحْصِنِ [كذا، والصواب: جَحْشِ] بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى عَائِشَةَ أَنِ ارْجِعِي إِلَى الْحِجَازِ، فَقَالَتْ: لَا أَفْعَلُ، فَقَالَ لَهَا: لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي لَأُرْسِلَنَّ إِلَيْكِ نِسْوَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِشِفَارٍ حِدَادٍ يَأْخُذْنَكِ بِهَا. قَالَ: فَخَرَجَتْ حِينَئِذٍ.
3. شاهد المعنى الأول: خبر حبة العرني (من مرويات الإمامية)
عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ مُحَمَّدًا أَخَاهَا وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ: أَنِ ارْتَحِلِي وَالْحَقِي بَيْتَكِ الَّذِي تَرَكَكِ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: لَا أَفْعَلُ! وَأَخْبَرَاهُ بِقَوْلِهَا فَغَضِبَ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَيْهَا وَبَعَثَ مَعَهُمَا الأَشْتَرَ فَقَالَ: وَاللهِ لَتَخْرُجِنَّ أَوْ لَتُحْمَلِنَّ احْتِمَالًا. ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، انْدُبُوا إِلَى الْحُرَّةِ الْخَيِّرَةِ مِنْ نِسَائِكُمْ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَدْ أَبَتْ أَنْ تَخْرُجَ، لِتَحْمِلُوهَا احْتِمَالًا! فَلَمَّا عَلِمَتْ بِذَلِكَ قَالَتْ لَهُمْ: قُولُوا فَلْيُجَهِّزْنِي. فَأَتَوْا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَجَهَّزَهَا وَبَعَثَ مَعَهَا بِالنِّسَاءِ.
4. شاهد المعنى الثاني: خبر عبد الجليل (من مروياتهم أيضًا)
عَنْ عَبْدِ الْجَلِيلِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ إِلَى عَائِشَةَ أَنِ ارْتَحِلِي، فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِامْرَأَتَيْنِ وَامْرَأَةٍ مِنْ رَبِيعَةَ مَعَهُنَّ الإِبِلُ، فَلَمَّا رَأَتْهُنَّ ارْتَحَلَتْ.
ثانيًا: المصادر التي أخرجت الخبر (جدول التخريج)
| المصدر | الموضع/الرقم | الطريق |
|---|---|---|
| مصنف ابن أبي شيبة | 40634 — (21/512) | يحيى بن آدم ← أبو بكر بن عياش ← جحش بن زياد ← الأحنف |
| «وقعة الجمل» (من منقولات الإمامية) | — | الحسن بن الربيع ← أبو بكر بن عياش ← جحش [«محصن» مصحَّفًا] ← الأحنف |
| مظانّ أخبار الجمل عند الإمامية (شاهد معنًى) | — | طريق حبة العرني — محمد بن أبي بكر وعمار والأشتر ونساء عبد القيس |
| مظانّ أخبار الجمل عند الإمامية (شاهد معنًى) | — | طريق عبد الجليل — امرأتان وامرأة من ربيعة |
ثالثًا: الأسانيد كاملة، وتحرير القول في علتي الجهالة والتفرد
الطريق الأولى (المعتمدة): طريق يحيى بن آدم في المصنف
الطريق الثانية (المتابعة): طريق الحسن بن الربيع
تحرير القول في العلة الأولى: جهالة جحش بن زياد
أُعِلَّ الخبرُ بأن جحشًا «مجهول الحال لم يرد فيه توثيق معتبر»، إذ ذكره البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عنه. والجواب عن هذه العلة من ستة أوجه، بعضُها يشدُّ بعضًا:
تحرير القول في العلة الثانية: استنكار التفرد — «وهل تتسع الحادثةُ أصلًا لتعدد الطرق؟»
هذا موضعُ لُبِّ الدراسة. فالمُعِلُّ يقول: كيف يتفرد راوٍ واحد بخبرٍ مثلِ هذا في واقعةٍ عظيمة كالجمل؟ والجواب أن هذا الاستنكار إنما يستقيم حيث تتوافر الدواعي والهمم على النقل — كخطبةٍ في ملأٍ عام أو حكمٍ تعمُّ به البلوى — أما ها هنا فقرائنُ الواقعة كلُّها تقتضي ضدَّ ذلك:
الجواب عن دعوى نكارة المتن
قيل: ما الحاجة إلى تهديدها وهي في سلطانه ومعها أخوها؟ والجواب من ثلاثة أوجه:
رابعًا: شبكة الأسانيد والإحصائيات الشاملة
جدول مقارنة ألفاظ الروايات
| اللفظ | المصدر الأساسي | عدد الطرق | الدلالة/النسبة |
|---|---|---|---|
| «ارجعي إلى المدينة وإلى بيتك… نسوة من بكر بن وائل معهن شفار حداد» | المصنف (40634) | 1 | اللفظ المعتمد المسند |
| «ارجعي إلى الحجاز… نسوة من بكر بن وائل بشفار حداد» | «وقعة الجمل» | 1 | متابعة ليحيى بن آدم — نفس المخرج |
| «اندبوا إلى الحرة الخيرة من نسائكم… فجهزها وبعث معها بالنساء» | طريق حبة العرني | 1 | شاهد معنًى مستقل المخرج |
| «فبعث إليها بامرأتين وامرأة من ربيعة… فلما رأتهن ارتحلت» | طريق عبد الجليل | 1 | أقرب الشواهد لفظًا |
توزيع الروايات حسب فئات المصادر
| فئة المصادر | عدد المصادر | عدد الطرق |
|---|---|---|
| المصنفات المسندة (أهل السنة) | 1 | طريق واحدة (بمتابعة دون المدار) |
| كتب أخبار الجمل (نقول الإمامية) | 1+ | 3 طرق (متابعة + شاهدان) |
خامسًا: خريطة الأسانيد
سادسًا: خريطة انتشار الخبر في المدارس الحديثية
مدرسة البصرة (منبع الخبر)
مدرسة الكوفة (حاضنة الإسناد كله)
سابعًا: الرواة جرحًا وتعديلًا
| الراوي | ترجمته وأقوال النقاد | خلاصة الحكم |
|---|---|---|
| ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد (ت 235هـ) | الحافظ الكبير صاحب المصنف والمسند، من شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه | ثقة حافظ |
| يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الكوفي (ت 203هـ) | من كبار أصحاب الحديث بالكوفة، من رجال الجماعة؛ قال ابن حجر في التقريب: «ثقة حافظ فاضل» | ثقة حافظ |
| أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي (ت 193هـ) | قارئ الكوفة وعابدها، من رجال الجماعة؛ في التقريب: «ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح»؛ وقال بعض المعاصرين في تحريره: «صدوق حسن الحديث». وروايته هنا عن كوفيٍّ محلي من قدماء شيوخه، وقد توبع عليها | ثقة، ومقتضى المتابعة ضبطُه لهذا الخبر |
| جحش بن زياد الضبي الكوفي (المدار) | ذكره البخاري في التاريخ الكبير (2/253) وابن أبي حاتم (2/550) وسكتا عنه؛ روى عن الأحنف وتميم بن حذلم، وعنه الثوري وجرير وابن فضيل وأبو بكر بن عياش؛ وذكره ابن حبان في الثقات؛ وقال الأزدي في الأسماء المفردة: «لا أخ له»؛ وقال محقق المصنف: «صدوق روى عنه جمع»؛ ولم يُحفظ له منكر، وأحاديثه ثلاثة | مستورٌ ارتفعت جهالةُ عينه، مقبولٌ معتضِدًا على قاعدة الموقظة |
| الأحنف بن قيس التميمي السعدي (ت نحو 72هـ) | المخضرم الكبير سيد بني تميم، أدرك النبي ﷺ ولم يره، مضروبُ المثل في الحلم، حاضرٌ أحداثَ البصرة معتزلٌ لقتال الجمل، من رجال الجماعة | ثقة مخضرم جليل |
| الحسن بن الربيع البوراني (في المتابعة) (ت نحو 220هـ) | كوفي من رجال البخاري ومسلم، من الرواة عن أبي بكر بن عياش | ثقة |
ثامنًا: أقوال الأئمة والمحققين في جحش وفي الخبر
| القائل | حكمه |
|---|---|
| البخاري (التاريخ الكبير 2/253) | ترجم لجحش وسكت عنه — ولم يذكر له منكرًا مع شدة تتبعه |
| ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل 2/550) | ترجم له عن أبيه وسكت، وأثبت روايته عن الأحنف وسماعَه منه ورواية الجماعة عنه |
| ابن حبان (الثقات) | ذكره في الثقات: «من أهل الكوفة يروي عن الأحنف بن قيس روى عنه سفيان الثوري» |
| الأزدي (الأسماء المفردة) | «جحش بن زياد الضبي… لا أخ له» — إثباتٌ لضبط اسمه وتفرُّده الاسمي |
| محقق مصنف ابن أبي شيبة | «حسن؛ جحش صدوق، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات» |
| موقع الإسلام سؤال وجواب (فتوى 407119) | أعلَّه بأن جحشًا «مجهول الحال لم يرد فيه توثيق معتبر»، وادَّعى نكارة المتن — وقد تقدم الجواب المفصل عن الوجهين في القسم الثالث |
تاسعًا: الخلاصة
الخبر حسنٌ إن شاء الله، مقبولُ الإسناد ثابتُ الأصل. أما إسنادًا: فرجالُه ثقات سوى جحش بن زياد، وجحشٌ مستورٌ روى عنه أربعةٌ من أثبات الكوفيين — فيهم الثوري — وذكره ابن حبان في الثقات ولم يُحفظ له منكر، فهو من أظهر أفراد قاعدة الذهبي في الموقظة في قبول مَن هذا حالُه، وبالتحسين حكم محققُ المصنف. وقد توبع يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش (تابعه الحسن بن الربيع)، فانحصرت العهدة في جحش وحده.
وأما علةُ التفرد فمدفوعةٌ بطبيعة الواقعة نفسها: رسالةٌ خاصة بين إمامٍ وأم المؤمنين عبر رسولٍ واحد، في زمنٍ أمسك فيه الثقات عن رواية أخبار الفتنة، ومضمونُها مما يُكتم من الجهتين جميعًا — فمثلُها لا تتسع أصلًا لتعدد الطرق، وتفردُ الثقة وشبهِه بالوقائع الخاصة مقبولٌ غيرُ مستنكَر عند الحفاظ. ثم اعتضد أصلُ المعنى بتواطؤ مرويات المدرستين المتخاصمتين — على استقلال مخارجهما — على أركانه: الأمرُ بالرجوع، والامتناعُ الأول، واستعمالُ نسوةٍ من ربيعة، ثم الخروج.
عاشرًا: المصادر والمراجع
- مصنف ابن أبي شيبة، الأثر رقم 40634 (21/512)، مع حاشية المحقق وفروق النسخ.
- التاريخ الكبير للبخاري (2/253) — ترجمة جحش بن زياد.
- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/550) — ترجمة جحش بن زياد الضبي.
- الثقات لابن حبان — ترجمة جحش بن زياد الضبي.
- ذكر اسم كل صحابي ومن بعده ممن لا أخ له يوافق اسمه، لأبي الفتح الأزدي — ترجمة جحش.
- الموقظة في علم مصطلح الحديث للذهبي — قاعدة قبول من روى عنه جماعة ولم يأت بمنكر.
- شرح علل الترمذي لابن رجب — تقسيم أنواع التفرد وأحكامها.
- تقريب التهذيب لابن حجر — تراجم يحيى بن آدم وأبي بكر بن عياش والحسن بن الربيع.
- «وقعة الجمل» ومظانّ أخبار الجمل في نقول المدرسة الإمامية — طريق الحسن بن الربيع وشاهدا حبة العرني وعبد الجليل (سيقت للاعتضاد، ويُستكمل توثيق مواضعها من الأصول المطبوعة عند الطبع).
- تاريخ الإسلام للذهبي (2/270)، ومنهاج السنة لابن تيمية (4/316–317) — سياق خروجها رضي الله عنها ومقصده.
- فتوى موقع الإسلام سؤال وجواب رقم 407119 — نص الإعلال الذي نوقش في الدراسة.
- فتوى إسلام ويب رقم 10605 — أخبار إكرام عليٍّ لعائشة بعد الجمل (جلد الرجلين وغيره).
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.