تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

خبر الأحنف بن قيس في أمر عليٍّ أمَّ المؤمنين عائشةَ عليها السلام بالرجوع إلى المدينة بعد الجمل — دراسة في طرقه وتحريرُ القول في تفرُّد جحش بن زياد الضبي

خبر الأحنف بن قيس في أمر  عليٍّ أمَّ المؤمنين عائشةَ عليها السلام بالرجوع إلى المدينة بعد الجمل — دراسة في طرقه وتحريرُ القول في تفرُّد جحش بن زياد الضبي
مجلة معاوية بن أبي سفيان — الموسوعة الحديثية الشاملة

خبر الأحنف بن قيس في أمر عليٍّ أمَّ المؤمنين عائشةَ عليها السلام بالرجوع إلى المدينة بعد الجمل — دراسة في طرقه وتحريرُ القول في تفرُّد جحش بن زياد الضبي

«لَمَّا ظَهَرَ عَلِيٌّ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ: ارْجِعِي إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِلَى بَيْتِكِ…»
المتون الكاملةالأسانيد والطرقتحرير علة التفرد خريطة الإسنادالمدارس الحديثيةالجرح والتعديلأحكام الأئمة

هذا أثرٌ من آثار ما بعد وقعة الجمل (سنة 36هـ)، يرويه الأحنفُ بن قيس التميمي سيدُ أهل البصرة — وكان حاضرًا أحداثَها معتزلًا للقتال — في إلحاح عليٍّ على أم المؤمنين عائشة عليهاالسلام بالرجوع إلى المدينة، حتى بلغ به الحزمُ أن توعّدها بإرسال نسوةٍ من بكر بن وائل إن لم ترجع. ومدارُ الخبر على جحش بن زياد الضبي الكوفي، وقد أُعِلَّ بجهالته وبتفرده. وهذه الدراسة تجمع طرقَ الخبر وشواهدَ معناه من مرويات المدرستين جميعًا، ثم تحرِّر القولَ في العلتين تحريرًا مفصَّلًا، وتجيب عن استنكار التفرد بما تقتضيه طبيعةُ الواقعة نفسِها: فإنها رسالةٌ خاصة بين إمامٍ وأمِّ المؤمنين في ذروة فتنةٍ شدَّد السلفُ في نقل أخبارها — ومثلُ هذا لا تتوافر الدواعي على إشاعته حتى يُستنكر قلةُ نَقَلته.

أولًا: المتون كاملة بنصوصها الأصلية

1. لفظ مصنف ابن أبي شيبة (40634 — 21/512)

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ جَحْشِ بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: «لَمَّا ظَهَرَ عَلِيٌّ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ: ارْجِعِي إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِلَى بَيْتِكِ، قَالَ: فَأَبَتْ، قَالَ: فَأَعَادَ إِلَيْهَا الرَّسُولَ: وَاللهِ لَتَرْجِعِنَّ أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ نِسْوَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مَعَهُنَّ شِفَارٌ حِدَادٌ يَأْخُذْنَكِ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ خَرَجَتْ».
فروق النسخ: في بعض النسخ: «عَلَى أَهْلِ الْجَمَلِ» بدل «أَهْلِ الْبَصْرَةِ»، وفي نسخة: «دَمُهُنَّ شِفَارٌ حِدَادٌ» بدل «مَعَهُنَّ». حكم محقق المصنف: «حسنٌ؛ جحشٌ صدوق، روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في الثقات، وأبو بكر هو ابن عياش».

2. لفظ كتاب «وقعة الجمل» فيما تناقلته مصادر المدرسة الإمامية (متابعةٌ ليحيى بن آدم)

وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُحْصِنِ [كذا، والصواب: جَحْشِ] بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى عَائِشَةَ أَنِ ارْجِعِي إِلَى الْحِجَازِ، فَقَالَتْ: لَا أَفْعَلُ، فَقَالَ لَهَا: لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي لَأُرْسِلَنَّ إِلَيْكِ نِسْوَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِشِفَارٍ حِدَادٍ يَأْخُذْنَكِ بِهَا. قَالَ: فَخَرَجَتْ حِينَئِذٍ.
«محصن بن زياد الضبي» تصحيفٌ ظاهر لـ«جحش بن زياد الضبي»: الطريقُ واحدة (أبو بكر بن عياش ← ابنُ زيادٍ الضبيُّ ← الأحنف)، ولا يُعرف في الرواة «محصن بن زياد الضبي» عن الأحنف، والرسمُ الكتابي متقارب. وفائدة هذا النقل أن الحسن بن الربيع البوراني (الثقة من رجال الشيخين) قد تابع يحيى بن آدم في روايته عن أبي بكر بن عياش — فالخبر محفوظٌ عن أبي بكر بن عياش من وجهين. وقد وقفنا عليه منقولًا في مظانّ أخبار الجمل عند الإمامية، ولم نقف في هذه الجلسة على أصله المسند الأول، فيُساق للاعتضاد لا للاعتماد.

3. شاهد المعنى الأول: خبر حبة العرني (من مرويات الإمامية)

عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ مُحَمَّدًا أَخَاهَا وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ: أَنِ ارْتَحِلِي وَالْحَقِي بَيْتَكِ الَّذِي تَرَكَكِ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: لَا أَفْعَلُ! وَأَخْبَرَاهُ بِقَوْلِهَا فَغَضِبَ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَيْهَا وَبَعَثَ مَعَهُمَا الأَشْتَرَ فَقَالَ: وَاللهِ لَتَخْرُجِنَّ أَوْ لَتُحْمَلِنَّ احْتِمَالًا. ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، انْدُبُوا إِلَى الْحُرَّةِ الْخَيِّرَةِ مِنْ نِسَائِكُمْ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَدْ أَبَتْ أَنْ تَخْرُجَ، لِتَحْمِلُوهَا احْتِمَالًا! فَلَمَّا عَلِمَتْ بِذَلِكَ قَالَتْ لَهُمْ: قُولُوا فَلْيُجَهِّزْنِي. فَأَتَوْا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَجَهَّزَهَا وَبَعَثَ مَعَهَا بِالنِّسَاءِ.
شاهدُ معنًى من طرق المدرسة الأخرى: الإلحاحُ في الإخراج، والامتناعُ الأول، واستعمالُ النساء (وهنا من عبد القيس، وهم إخوة بكر بن وائل في ربيعة)، ثم التجهيز الكريم. وحبة العرني كوفيٌّ متكلَّم فيه عند أهل السنة، فالخبر للاستشهاد على شيوع أصل القصة في نقل الفريقين لا للاحتجاج المجرد.

4. شاهد المعنى الثاني: خبر عبد الجليل (من مروياتهم أيضًا)

عَنْ عَبْدِ الْجَلِيلِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ إِلَى عَائِشَةَ أَنِ ارْتَحِلِي، فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِامْرَأَتَيْنِ وَامْرَأَةٍ مِنْ رَبِيعَةَ مَعَهُنَّ الإِبِلُ، فَلَمَّا رَأَتْهُنَّ ارْتَحَلَتْ.
وهذا أقربُ الشواهد إلى لفظ خبر الأحنف: بعثُ نسوةٍ من ربيعة بعينها (وبكر بن وائل من ربيعة)، وترتُّبُ ارتحالها على رؤيتهن — وهو عينُ قوله في خبرنا: «فلما رأت ذلك خرجت».

ثانيًا: المصادر التي أخرجت الخبر (جدول التخريج)

المصدرالموضع/الرقمالطريق
مصنف ابن أبي شيبة40634 — (21/512)يحيى بن آدم ← أبو بكر بن عياش ← جحش بن زياد ← الأحنف
«وقعة الجمل» (من منقولات الإمامية)الحسن بن الربيع ← أبو بكر بن عياش ← جحش [«محصن» مصحَّفًا] ← الأحنف
مظانّ أخبار الجمل عند الإمامية (شاهد معنًى)طريق حبة العرني — محمد بن أبي بكر وعمار والأشتر ونساء عبد القيس
مظانّ أخبار الجمل عند الإمامية (شاهد معنًى)طريق عبد الجليل — امرأتان وامرأة من ربيعة

ثالثًا: الأسانيد كاملة، وتحرير القول في علتي الجهالة والتفرد

الطريق الأولى (المعتمدة): طريق يحيى بن آدم في المصنف

ابن أبي شيبة ← حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ← قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ [ابن عياش] ← عَنْ جَحْشِ بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ ← قَالَ: سَمِعْتُ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ
رجاله كلهم ثقات أثبات معروفون سوى جحش. والتحديثُ مصرَّح به في أعلى الإسناد وأسفله («حدثني»، «سمعت»)، فلا انقطاع ولا عنعنة مدلِّس.

الطريق الثانية (المتابعة): طريق الحسن بن الربيع

الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ← قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ← عَنْ جَحْشِ [«محصن» مصحفًا] بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ ← قَالَ: سَمِعْتُ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ
فائدتها الإسنادية: نفيُ احتمال الوهم عن يحيى بن آدم، وإثباتُ أن الخبر محفوظٌ عن أبي بكر بن عياش رواه عنه اثنان من الثقات. فانحصرت العهدةُ في جحش وحده — وإليه تتجه المناقشة الآتية.

تحرير القول في العلة الأولى: جهالة جحش بن زياد

أُعِلَّ الخبرُ بأن جحشًا «مجهول الحال لم يرد فيه توثيق معتبر»، إذ ذكره البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عنه. والجواب عن هذه العلة من ستة أوجه، بعضُها يشدُّ بعضًا:

الوجه الأول — ارتفاع جهالة العين بيقين: روى عنه أربعةٌ من أثبات الكوفيين: سفيانُ الثوري، وجريرُ بن عبد الحميد، ومحمدُ بن فضيل بن غزوان، وأبو بكر بن عياش — كما في التاريخ الكبير (2/253) والجرح والتعديل (2/550). ومَن روى عنه مثلُ هؤلاء فليس بمجهول العين إجماعًا، وإنما النزاع في حاله.
الوجه الثاني — رواية الثوري خاصةً قرينةُ تعديل: سفيان الثوري إمامُ أهل الكوفة ونقّادُها، وقد نصَّ غيرُ واحد من الأئمة على أن رواية مَن عُرف بالانتقاء والتحرّي عن راوٍ تُعَدُّ تقويةً لشأنه وإن لم تبلغ التوثيقَ الصريح. فاجتماعُ الثوري وجرير وابن فضيل وأبي بكر على الأخذ عنه مؤذنٌ بأنه كان عندهم ممن يُحمَل عنه العلم.
الوجه الثالث — ذكرُ ابن حبان له في «الثقات»: قال: «جحش بن زياد الضبي من أهل الكوفة، يروي عن الأحنف بن قيس، روى عنه سفيان الثوري». وقاعدةُ ابن حبان في توثيق مثله معروفةُ التساهل إذا انفردت؛ لكنها هنا لم تنفرد، بل انضمت إلى رواية الجماعة، والقرائنُ إذا تعاضدت أنتجت ما لا تنتجه آحادُها.
الوجه الرابع — قاعدة الذهبي في «الموقظة»: نصَّ الذهبي على أن جمهور النقاد على قَبول حديث مَن روى عنه جماعةٌ ولم يأتِ بما يُنكَر عليه. وجحشٌ هذا لم يُحفَظ له منكرٌ قط — وأحاديثه ثلاثةٌ فحسب — فهو من أظهر أفراد هذه القاعدة، لا من مستثنياتها.
الوجه الخامس — حكمُ محقق المصنف: نصَّ محققُ طبعة المصنف على الأثر بقوله: «حسن؛ جحش صدوق، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات». فسبقنا إلى عين هذا التحرير مَن مارس نُسخَ الكتاب ورجالَه.
الوجه السادس — سكوتُ البخاري وابن أبي حاتم ليس جرحًا: السكوت في كتب التواريخ والسؤالات لا يُعَدُّ غمزًا باتفاق؛ بل قرَّر جماعةٌ من المحققين أن مَن ترجم له البخاري في تاريخه وسكت عنه — مع شدة تتبعه للعلل والمناكير — فذلك مُشعِرٌ بأنه لم يقف له على منكر.

تحرير القول في العلة الثانية: استنكار التفرد — «وهل تتسع الحادثةُ أصلًا لتعدد الطرق؟»

هذا موضعُ لُبِّ الدراسة. فالمُعِلُّ يقول: كيف يتفرد راوٍ واحد بخبرٍ مثلِ هذا في واقعةٍ عظيمة كالجمل؟ والجواب أن هذا الاستنكار إنما يستقيم حيث تتوافر الدواعي والهمم على النقل — كخطبةٍ في ملأٍ عام أو حكمٍ تعمُّ به البلوى — أما ها هنا فقرائنُ الواقعة كلُّها تقتضي ضدَّ ذلك:

1. الخبرُ رسالةٌ خاصة لا مشهدٌ عام: صورتُه مراسلةٌ بين أمير المؤمنين وأم المؤمنين عبر رسولٍ واحد يتردد بينهما («أرسل إليها… فأعاد إليها الرسول»). فالعالِمون به ابتداءً: المرسِل، والرسول، والمرسَل إليها، ومَن اتصل بأحدهم. ومثلُ هذا لا يُتصوَّر أن تتكاثر طرقُه أصلًا؛ بل تكاثرُ الطرق في مثله هو الذي كان يُريب.
2. مضمونُه مما يُكتَم لا مما يُشاع: توعُّدُ أم المؤمنين — ولو حزمًا وسياسةً — مما تصان عنه المجالس، ولا داعي لأحدٍ من الفريقين في نشره: فأصحاب علي يصونون إمامهم عن أن يُحكى عنه إغلاظٌ لأم المؤمنين، وأهلُ البصرة يصونون أمَّهم عن حكاية ما جرى عليها. فانحسم سببُ الاستفاضة من الجهتين، وبقي الخبرُ في أضيق دائرة.
3. زمنُ الفتنة نفسُه قلَّل النقلة: القاعدة التي يُعَلُّ بها الخبرُ («فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم») تفسِّر — من الوجه الآخر — قلةَ مَن حدَّث بأخبار الفتنة أصلًا: فقد أمسك أكثرُ الثقات عن الخوض فيها تورعًا، فندر ناقلوها ندرةً لازمة، وصار تفردُ الواحد فيها هو الأصلَ الغالب لا الاستثناءَ المريب.
4. مخرجُ الخبر أوثقُ مخرجٍ ممكن لمثل هذه الواقعة: الأحنف بن قيس سيدُ بني تميم بالبصرة، حاضرٌ أحداثَها، معتزلٌ لقتالها — فهو أبعدُ الناس عن هوى الفريقين وأقربُهم إلى مجاري أخبار المدينة [البصرة] تلك الأيام. ثم حمله عنه كوفيٌّ من شيوخ الثوري. فالخبر خرج من عين الموضع على يد أعدل شاهدٍ ممكن.
5. قاعدة الأئمة في تفرد الرواة بالوقائع الخاصة: قرَّر الحفاظ — ومنهم ابنُ رجب في شرح العلل في تقسيم أنواع التفرد — أن تفرد الراوي بما جرى في واقعةٍ خاصة حضرها أو تلقّاها عن شاهدها ليس من جنس التفرد المستنكَر، وإنما يُستنكَر تفردُه بما تتوافر الدواعي على نقله. وخبرُنا من القسم الأول قطعًا.

الجواب عن دعوى نكارة المتن

قيل: ما الحاجة إلى تهديدها وهي في سلطانه ومعها أخوها؟ والجواب من ثلاثة أوجه:

الأول: ليس في الخبر تهديدٌ بأذًى، وإنما توعُّدٌ بالحمل على الرجوع بأيدي النساء خاصة — وهذا عينُ الصيانة: إذ لا يجوز أن يتولى حملَها الرجال، فجعل العزيمةَ في نسوةٍ يأخذنها «بها» أي بالرحلة والحمل. فالمتن — على التحقيق — شاهدٌ لفقه عليٍّ في حرمتها لا قادحٌ فيه.
الثاني: مروياتُ المدرسة الأخرى — على استقلال مخارجها وعدائها المذهبي لعائشة — جاءت بعين هذا المعنى: «اندبوا إلى الحرة الخيرة من نسائكم»، «بعث إليها بامرأتين وامرأة من ربيعة». فاتفاقُ الفريقين على استعمال النساء يدفع دعوى النكارة عن هذه الجزئية بخصوصها.
الثالث: لا تعارض بينه وبين أخبار الإكرام الثابتة (جلدُ مَن نال منها، وتجهيزُها، وتشييعُها)؛ فالحزم في إنفاذ الرجوع أولًا، والإكرامُ في كيفيته ثانيًا — وهما مقامان لا مقام واحد، وقد جمعتهما روايةُ حبة نفسها: «فلما علمت بذلك قالت: قولوا فليجهزني… فجهَّزها».
ما يبقى على المسلك المشدِّد: من التزم ردَّ رواية المستور مطلقًا حتى في الأخبار، ولم يُعمل قاعدة الموقظة ولا قرائن الاعتضاد، فأدنى أحوال الإسناد عنده الضعفُ المنجبِر؛ ويثبت عنده — بمجموع الطرق والشواهد — أصلُ الواقعة دون الجزم بحروف اللفظ: أمرُها بالرجوع، وامتناعُها أولًا، ثم خروجُها، وكونُ النساء أداةَ ذلك. وهذا القدرُ كافٍ في الاستدلال التاريخي على كل حال.

رابعًا: شبكة الأسانيد والإحصائيات الشاملة

جدول مقارنة ألفاظ الروايات

اللفظالمصدر الأساسيعدد الطرقالدلالة/النسبة
«ارجعي إلى المدينة وإلى بيتك… نسوة من بكر بن وائل معهن شفار حداد»المصنف (40634)1اللفظ المعتمد المسند
«ارجعي إلى الحجاز… نسوة من بكر بن وائل بشفار حداد»«وقعة الجمل»1متابعة ليحيى بن آدم — نفس المخرج
«اندبوا إلى الحرة الخيرة من نسائكم… فجهزها وبعث معها بالنساء»طريق حبة العرني1شاهد معنًى مستقل المخرج
«فبعث إليها بامرأتين وامرأة من ربيعة… فلما رأتهن ارتحلت»طريق عبد الجليل1أقرب الشواهد لفظًا

توزيع الروايات حسب فئات المصادر

فئة المصادرعدد المصادرعدد الطرق
المصنفات المسندة (أهل السنة)1طريق واحدة (بمتابعة دون المدار)
كتب أخبار الجمل (نقول الإمامية)1+3 طرق (متابعة + شاهدان)

خامسًا: خريطة الأسانيد

خريطة الأسانيد
خريطة الإسناد الرئيسة: المدار جحش بن زياد، ومتابعة الحسن بن الربيع ليحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش
خريطة أسانيد الشواهد
شبكة شواهد المعنى: تواطؤ نقل المدرستين على أصل الواقعة مع استقلال المخارج

سادسًا: خريطة انتشار الخبر في المدارس الحديثية

مدرسة البصرة (منبع الخبر)

الأحنف بن قيس التميمي — سيد أهل البصرة، الحاضرُ المعتزل، وعنه أخذ الخبرَ الكوفيون

مدرسة الكوفة (حاضنة الإسناد كله)

يحيى بن آدم ← أبو بكر بن عياش ← جحش بن زياد الضبي ← الأحنف
الحسن بن الربيع البوراني ← أبو بكر بن عياش ← جحش بن زياد الضبي ← الأحنف
ثم دوَّنه ابنُ أبي شيبة الكوفي في مصنفه
انتقالُ الخبر من البصرة (موضع الحادثة) إلى الكوفة انتقالٌ جغرافيٌّ طبيعي بين حاضرتي العراق، وانحصارُه فيهما مطابقٌ لما قررناه من خصوصية الواقعة: لم يرحل الخبرُ إلى الحجاز ولا الشام لأن أحدًا لم يكن له داعٍ في إشاعته.

سابعًا: الرواة جرحًا وتعديلًا

الراويترجمته وأقوال النقادخلاصة الحكم
ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد (ت 235هـ)الحافظ الكبير صاحب المصنف والمسند، من شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجهثقة حافظ
يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الكوفي (ت 203هـ)من كبار أصحاب الحديث بالكوفة، من رجال الجماعة؛ قال ابن حجر في التقريب: «ثقة حافظ فاضل»ثقة حافظ
أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي (ت 193هـ)قارئ الكوفة وعابدها، من رجال الجماعة؛ في التقريب: «ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح»؛ وقال بعض المعاصرين في تحريره: «صدوق حسن الحديث». وروايته هنا عن كوفيٍّ محلي من قدماء شيوخه، وقد توبع عليهاثقة، ومقتضى المتابعة ضبطُه لهذا الخبر
جحش بن زياد الضبي الكوفي (المدار)ذكره البخاري في التاريخ الكبير (2/253) وابن أبي حاتم (2/550) وسكتا عنه؛ روى عن الأحنف وتميم بن حذلم، وعنه الثوري وجرير وابن فضيل وأبو بكر بن عياش؛ وذكره ابن حبان في الثقات؛ وقال الأزدي في الأسماء المفردة: «لا أخ له»؛ وقال محقق المصنف: «صدوق روى عنه جمع»؛ ولم يُحفظ له منكر، وأحاديثه ثلاثةمستورٌ ارتفعت جهالةُ عينه، مقبولٌ معتضِدًا على قاعدة الموقظة
الأحنف بن قيس التميمي السعدي (ت نحو 72هـ)المخضرم الكبير سيد بني تميم، أدرك النبي ﷺ ولم يره، مضروبُ المثل في الحلم، حاضرٌ أحداثَ البصرة معتزلٌ لقتال الجمل، من رجال الجماعةثقة مخضرم جليل
الحسن بن الربيع البوراني (في المتابعة) (ت نحو 220هـ)كوفي من رجال البخاري ومسلم، من الرواة عن أبي بكر بن عياشثقة

ثامنًا: أقوال الأئمة والمحققين في جحش وفي الخبر

القائلحكمه
البخاري (التاريخ الكبير 2/253)ترجم لجحش وسكت عنه — ولم يذكر له منكرًا مع شدة تتبعه
ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل 2/550)ترجم له عن أبيه وسكت، وأثبت روايته عن الأحنف وسماعَه منه ورواية الجماعة عنه
ابن حبان (الثقات)ذكره في الثقات: «من أهل الكوفة يروي عن الأحنف بن قيس روى عنه سفيان الثوري»
الأزدي (الأسماء المفردة)«جحش بن زياد الضبي… لا أخ له» — إثباتٌ لضبط اسمه وتفرُّده الاسمي
محقق مصنف ابن أبي شيبة«حسن؛ جحش صدوق، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات»
موقع الإسلام سؤال وجواب (فتوى 407119)أعلَّه بأن جحشًا «مجهول الحال لم يرد فيه توثيق معتبر»، وادَّعى نكارة المتن — وقد تقدم الجواب المفصل عن الوجهين في القسم الثالث

تاسعًا: الخلاصة

✦ الحكم النهائي

الخبر حسنٌ إن شاء الله، مقبولُ الإسناد ثابتُ الأصل. أما إسنادًا: فرجالُه ثقات سوى جحش بن زياد، وجحشٌ مستورٌ روى عنه أربعةٌ من أثبات الكوفيين — فيهم الثوري — وذكره ابن حبان في الثقات ولم يُحفظ له منكر، فهو من أظهر أفراد قاعدة الذهبي في الموقظة في قبول مَن هذا حالُه، وبالتحسين حكم محققُ المصنف. وقد توبع يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش (تابعه الحسن بن الربيع)، فانحصرت العهدة في جحش وحده.

وأما علةُ التفرد فمدفوعةٌ بطبيعة الواقعة نفسها: رسالةٌ خاصة بين إمامٍ وأم المؤمنين عبر رسولٍ واحد، في زمنٍ أمسك فيه الثقات عن رواية أخبار الفتنة، ومضمونُها مما يُكتم من الجهتين جميعًا — فمثلُها لا تتسع أصلًا لتعدد الطرق، وتفردُ الثقة وشبهِه بالوقائع الخاصة مقبولٌ غيرُ مستنكَر عند الحفاظ. ثم اعتضد أصلُ المعنى بتواطؤ مرويات المدرستين المتخاصمتين — على استقلال مخارجهما — على أركانه: الأمرُ بالرجوع، والامتناعُ الأول، واستعمالُ نسوةٍ من ربيعة، ثم الخروج.

عاشرًا: المصادر والمراجع

  1. مصنف ابن أبي شيبة، الأثر رقم 40634 (21/512)، مع حاشية المحقق وفروق النسخ.
  2. التاريخ الكبير للبخاري (2/253) — ترجمة جحش بن زياد.
  3. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/550) — ترجمة جحش بن زياد الضبي.
  4. الثقات لابن حبان — ترجمة جحش بن زياد الضبي.
  5. ذكر اسم كل صحابي ومن بعده ممن لا أخ له يوافق اسمه، لأبي الفتح الأزدي — ترجمة جحش.
  6. الموقظة في علم مصطلح الحديث للذهبي — قاعدة قبول من روى عنه جماعة ولم يأت بمنكر.
  7. شرح علل الترمذي لابن رجب — تقسيم أنواع التفرد وأحكامها.
  8. تقريب التهذيب لابن حجر — تراجم يحيى بن آدم وأبي بكر بن عياش والحسن بن الربيع.
  9. «وقعة الجمل» ومظانّ أخبار الجمل في نقول المدرسة الإمامية — طريق الحسن بن الربيع وشاهدا حبة العرني وعبد الجليل (سيقت للاعتضاد، ويُستكمل توثيق مواضعها من الأصول المطبوعة عند الطبع).
  10. تاريخ الإسلام للذهبي (2/270)، ومنهاج السنة لابن تيمية (4/316–317) — سياق خروجها رضي الله عنها ومقصده.
  11. فتوى موقع الإسلام سؤال وجواب رقم 407119 — نص الإعلال الذي نوقش في الدراسة.
  12. فتوى إسلام ويب رقم 10605 — أخبار إكرام عليٍّ لعائشة بعد الجمل (جلد الرجلين وغيره).
مجلة معاوية بن أبي سفيان الموسوعة الحديثية الشاملة — دراسات في السنة النبوية وعلوم الحديث · muawiyah.info

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.